الخميس، 29 أغسطس 2013

نَعَمةٌ لا أُحِبُها


وبعد أن إنطَلقت القافلة، رن هاتفه بنغمة لا أُحِبُها ولو لَم تَكن تُزعجني لَمَا أيقظته ليجيب عليه، وينهي سيمفونية العذاب خاصتي.


هكذا أتعامل مع الوطن وهكذا أتعايش، هي علاقة مادية بحتة، علاقة متبادلة، أخذ وعطاء، مُتغيران ليس فيهما مستقل، فإذا إختل طَرف كان من الضروري أن يَختل الآخر وإلا صارت العلاقة غير متوازنة وإلا أصبحت العلاقة غير مستقرة، ونحن في طبيعتنا دائما نبحث عن الإستقرار.

هكذا إخترت الثورة اللتي كانت وسيلة للقضاء على العديد من النغمات التي تزعجني وتؤرقني، ولم تكن أبدا من أجل الوطن، أو تلك الشعارات الرنانة الزائفة، التي نتغنى بيها لنرضي ذواتنا ولنشعر أنفسنا بأننا أكثر قيمة من غيرنا، وهي في الحقيقة مجرد إشباع لرغبة تجعلنا نرى الآخرين إما أقل منا حبًا للوطن و إدراكا للمستقبل، أو أكثر منا فسادًا، إن نحن إعترفنا بأننا أيضًا فاسدون.

أنت وحدك من يستطيع أن تحدد ماهية الوطن بالنسبة إليك لكني أستطيع أن اُجزم أنه بالتأكيد ليس ذلك الذي نعيشه، لعلي مخطئ في إعتقادي بأن الوطن هو المكان الذي أستطيع أن اعيش فيه بأمان وبدون خوف من كلمة ربما أقولها فتنتهي بها حياتي إما قتلًا ماديًا أو إجتماعيًا، وربما أكون مخطئًا أيضًا في عدم ربط الوطن بالحدود والأماكن، فكم من بلاد تُشعِرك بأنك مواطن بها وهي ليست بموطنك.

انت وُلِدت هنا بمحض الصدفة وكان من الممكن ان تولد في وطن آخر بمحض الصدفة أيضًا،
ولدت مسلم محض صدفة أو مسيحي أو يهودي أو بوذي .... إلخ وهكذا جعلتنا الصدفة نتقاتل من أجل لاشئ !!
فقط لأن أجدادك وأجدادي لم يتفقا في عهدٍ مضى وإلى اليوم نُعيد غباء أجدادنا وكأن الدماء التي سالت لم تكن كافية! بل وقد زاد الأمر عن حدود الأديان، فلعبت السياسة دورًا وجاءت الأيديولوجيات لتأخذ دورًا في قدسية الأديان لدى البعض لنعيد الكرة مرة أخرى، وإن نحن أدركنا ما تسبب فيه الصراع والإقتتال بين أصحاب الديانات المتعددة، وأدركنا أننا جميعًا خاسرون، أمامنا الكثير والكثير من الدماء والوقت حتى ندرك ما تسببه دوجما الأيديولوجيات .. إنها الدوجما أيًا ما كانت. 

الدوجما نفسها التي جعلت من الثورة عمياء، لا ترى سوى نفسها، جعلتها شئ يُخَوِّنْ كل من يُخالفه الرأي، وحولت جوهرها من التغيير إلى الإنتقام.
فلم نعد نهتم بترسيخ القانون الذي يخدم الجميع بقدر إهتمامنا بأخذ ما نراه أنه من حقوقنا والعجيب أننا أيضًا عاجزون عن ذلك!
لم نعد ندافع عن الحق إذا كان يخالف مصالحنا وهنا أنطلق أنا لأنه لو لم تكن تزعجني نَغَمَتُه لما أيقظته، بل وإن أعجبتني ربما لكنت تركتها.

وها وقد فشلت الثورة في القضاء على تلك الرنات المزعجة ولكن، لا بأس فقد كانت وسيلة، وهي في المجتمعات تكون أبغض الحلال حين تعجز عن التغيير بالطرق الطبيعية، وكان من المنطقي أن أبحث عن غيرها فكما قلت لقد شاركت بالثورة لتحقيق بعض الأشياء التي إذا تحققت أستطيع وقتها أن اقول ان هذا وطني.

فلست مهتمًا بإعدام مبارك بقدر إهتمامي بإدانته حتى وإن صدر عنه عفو صحي فيبقى الأهم هو ترسيخ القاعدة أن لكل ديكتاتور نهاية ولكل جاني عقاب سيلقاه سيلقاه ولكن الأمر ليس في العقاب بقدر تعديل السلوك، لست مهتمًا ذلك الإهتمام بالعقاب بقدر إهتمامي بتعديل السلوك، السجن إصلاح وتهذيب كما يقولون دائمًا، هو ممر يتحول فيه الجاني من شخص مريض إلى إنسان سوي وتلك هي المهمة وهذا هو الأهم.
لست مهتمًا بحقوق الشهداء قدر إهتمامي بأن يدافع الوطن عن مواطنيه ويمنع حدوث مزيد من القتل وسفك الدماء بغير وجه حق.
لست مهتمًا بالذبح السياسي لمن أحدثوا كُل هذا العَبَث قدر إهتمامي بأن يسود العدل ويحكم القانون السوي بمسافة واحدة من الجميع.
لست مهتما بالإنتقام من الفاسدين سياسيًا أو ماليا بقدر إهتمامي بإصلاح النظام لردع الفساد بمنظومة صالحة وقوية.

أردته وطن حر لأقول ما اكمنه دون تردد او خوف، وطن عادل ليتساوي الجميع وتتكافئ الفرص لأنتهز فرصتي بشرف، وكثير من النغمات المزعجة الأخرى التي لطالما كانت تؤرقني، والتي كانت سببا لنزولك أيضًا، لكنك تكابر أحيانًا ولا تعترف بأنك نزلت لأهدافك أنت، وليس أهداف الوطن، أو غيرك، أو الشعب بأكمله كما تتدعي، أنت تريديها دولة كرامة وقوة وتقدم ورُقي لتنعم انت بتبعات ذلك، وأنتي شاركتي لأنك لا تجدي دورك الطبيعي في المجتمع، لتثبتي بأنك لستي عورة أو عبئاً كما يدّعون.

وإن فشلت كل الحلول سواء جماعية أو فردية داخل حدود هذا العفن فلن أتردد يومًا في قرار الخروج، لأنعم بمزيد من النغمات التي أُحبها وحتمًا سأجد بعضاً من النغمات الأخرى المزعجة .. لكن .. لا بأس، فهو جربنا حلول أسوأ ..

لعلي أستطعت أن اصف ما أردت قوله ولعلي لم استطع بالقدر الكافي لكن لا بأس، هي أيضاً مجرد محاولة :)

وربما تفيد تلك الأبيات القادمة

لو أنك لم ترى يومًا جمالًا
إذا كنت لا ترى جمالاً
فحتما القُبح سيُصبح جمالك
وإن كنت ترى الجمال ذوقًا
فأنت من تحدد معنى الجمال

وإن كانت الحرية لم تطرق بابك
فقليلٌ منها سوف يرضيك

تَذَوّقْ الحُرية جديد عليك
التحديق في البدائل يثقل عينيك

ستكون منزعج لأنك تقرر
وترهقك الحيرة في نتيجة قرارك

كابوس سيزورك بلون جديد
لون مُعَنْوَنْ بتبعات إختيارك

يُرهقك إختيارك
لذلك كان قرارك
قليلٌ من الحرية سوف يرضيك


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق